عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

147

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

السلطان مسعود ، فأمر لها بكتاب فلم يعمل به العامل ، وقال في نفسه إن هذه المرأة العجوز لا تذهب إلى غزنين مرة ثانية ، فعادت العجوز مرة أخرى وسارت إلى غزنين وذهبت إلى دار المظالم وطلبت النصفة ، فأمر السلطان مرة أخرى بكتاب . فقالت العجوز : حملت مرة كتابا ولم يجد . فقال مسعود ما ذا أعمل ؟ فقالت أيها الملك إن تدبير هذا سهل ، دبر الولاية بحيث يطاع أمرك ، وإلا فدعها ليتولاها شخص آخر يعملون بكتابه ، وابق أنت كذلك في لهوك حتى لا يبتلى عباد الله تعالى ببلاء الظلم . فخجل مسعود وأمر فأدوا حق تلك المرأة العجوز وعلقوا ذلك العامل على باب فراوة ، وأفاق بعد ذلك من نوم الغفلة ولم تكن لأحد جرأة على أن يقصر في أمره . فالملك الذي لا يكون أمره نافذا ، أىّ فرق بينه وبين سائر الناس ؟ ! يجب أن يعرف نظام الملك في نفاذ الأمر ، فإذا لم يكن للأوامر نفاذ يظهر الخلل في الملك ، ونفاذ الأمر لا يجوز بغير السياسة ، فلا ينبغي التقصير في إجراء السياسة لتكون الأوامر نافذة ، ثم يجب ألا يسلط الجند على رؤوس الرعايا لأن المملكة لا تعمر ، وكما تراعى مصلحة الجند ارع كذلك مصلحة الرعية ، لأن الملك كالشمس لا يجوز أن تضئ على واحد ولا تضئ على آخر ، وكذلك إذا كان يمكن جعل الرعايا مطيعين بالجند فإنه يمكن أيضا امتلاك الجند بالرعية ، وبالرعية تعمر الولاية لأن من الرعية يحصل الدخل ، وبالعدل تكون الرعية ثابتة وعامرة ، فلا تجعل للظلم سبيلا إلى قلبك ؛ فإن بيوت الملوك العادلين تبقى ويطول عهدها ، وبيوت الظالمين تزول سريعا ، لأن العدل هو العمران ، والظلم هو الخراب ، ولما كان التعمير يقتضى وقتا أطول فإنه يبقى أكثر ، وبما أن التخريب يمكن القيام به سريعا فإنه يزول سريعا . وقد قال الحكماء إن الملك العادل هو ينبوع العمار والبهجة في العالم ، والملك الظالم ينبوع خراب العالم وبؤسه ، ولا تصبر على آلام عباد الله تعالى ، ولا تشتغل دائما بالخلوة لأنك إذا نفرت من الجند والناس ينفر الجند منك أيضا ، ولا تقصر في حسن رعاية الجند والرعية ، وإذا قصرت يكون من ذلك التقصير توفير للأعداء ، ولكن لا تجعل الجند جميعا من جنس واحد ، فإذا كان جند الملك من جنس واحد يكون دائما أسيرا لجنده ، وعاجزا على الدوام ، لأن الجنس الواحد يتفق ولا يمكن ضربهم بأحدهم الآخر ، فإذا كانوا من كل جنس يضرب هذا الجنس بذاك وذاك بهذا ؛ فلا يستطيع أولئك القوم من خوف هؤلاء وهؤلاء من خوف أولاء أن يعصوا ، ويكون أمرك نافذا على جندك ، وكان لجدك السلطان محمود أربعة آلاف غلام تركى من غلمان السراى ، وأربعة آلاف رواة هندى للسراى ، وكان دائما يخوف الهنود بالأتراك والأتراك بالهنود فصار كلا الجنسين مطيعين من خوف أحدهما الآخر ، وفضلا عن ذلك ادع في كل وقت كبراء الجند إلى طعامك ونبيذك ، وأحسن إليهم بالخلعة والصلة والآمال ، وتعود إظهار المودة ، ولكن إذا أردت إعطاء صلة لشخص فلا تعلنها على الملأ بلسانك إذا كانت قليلة ، وقل له في الخفاء إنها جائزة حتى لا تكون قد ارتكبت خسة بذلك الشئ الذي لا يليق بهمة الملوك ، ثم لا تكون قد صيرت نفسك معروفا للناس بالخسة .